محمد بن جرير الطبري

186

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وصاحب لوائه يومئذ رجل يقال له عبد الصمد بن أبي مالك بن مسروح ، من بنى سعد بن زيد ، خليف العباس بن عبد المطلب ، وكان مسروح السعدي تزوج صفيه بنت العباس بن عبد المطلب ، فجعلت خيلهم لا تثبت لخيله ورجله ، فبعث العباس إلى يوسف بن عمر يعلمه ذلك ، فقال له : ابعث إلى الناشبة ، فبعث إليهم سليمان بن كيسان الكلبي في القيقانية والبخارية ، وهم ناشبه ، فجعلوا يرمون زيدا وأصحابه ، وكان زيد حريصا على أن يصرفهم حين انتهوا إلى السبخة ، فأبوا عليه ، فقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد بن علي قتالا شديدا ، فقتل بين يديه ، وثبت زيد بن علي ومن معه حتى إذا جنح الليل رمى بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى ، فتشبث في الدماغ ، فرجع ورجع أصحابه ، ولا يظن أهل الشام انهم رجعوا الا للمساء والليل . قال : فحدثني سلمه بن ثابت الليثي - وكان مع زيد بن علي ، وكان آخر من انصرف من الناس يومئذ ، هو وغلام لمعاوية بن إسحاق - قال : أقبلت انا وصاحبي نقص اثر زيد بن علي ، فنجده قد انزل ، وادخل بيت حران ابن كريمه مولى لبعض العرب في سكه البريد في دور ارحب وشاكر . قال سلمه بن ثابت : فدخلت عليه ، فقلت له : جعلني الله فداك أبا الحسين ! وانطلق أصحابه فجاءوا بطبيب يقال له شقير مولى لبنى رؤاس فانزع النصل من جبهته ، وانا انظر اليه ، فوالله ما عدا ان انزعه جعل يصيح ، ثم لم يلبث ان قضى ، فقال القوم : اين ندفنه ، واين نواريه ؟ فقال بعض أصحابه : نلبسه درعه ونطرحه في الماء ، وقال بعضهم : بل نحتز رأسه ونضعه بين القتلى ، فقال ابنه يحيى : لا والله لا نأكل لحم أبى الكلاب . وقال بعضهم : لا بل نحمله إلى العباسية فندفنه . قال سلمه : فأشرت عليهم ان ننطلق به إلى الحفرة التي يؤخذ منها الطين فندفنه فيها ، فقبلوا رأيي وانطلقنا ، وحفرنا له بين حفرتين ، وفيه حينئذ ماء كثير ، حتى إذا نحن أمكنا له دفناه ، وأجرينا عليه الماء ، وكان معنا